الاعتراض، مقولاً بكامل قوّته
«لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس: الإنسان يسوع المسيح» (١تي ٢:٥). وفي أقوى صياغة، يجري الاعتراض هكذا: لبّ الإنجيل أن الوصول إلى الآب فُتح بشخص واحد وبثمن واحد، وأنه ما من أحد آخر لازم على الباب. فتوجيه طلب إلى مسيحيّ مات في القرن الرابع يبدو إعادةً لتركيب سلسلة وسطاء أزالها الصليب.
وليست هذه حجّةً واهية، وهي على ألسنة أكثر من يسوقونها ليست حجّةً عدائية أيضاً. إنها أقوى اعتراض يُوجَّه إلى هذه الممارسة الأرثوذكسية، ويطرحه عادةً مسيحيون يحرسون كفاية المسيح لأنهم يحبّونه. والجواب الأرثوذكسي الذي يصرفها لم يُجب البتّة.
فالمنهج الأمين إذاً أن نترك الآية حيث هي تماماً ونقرأ الجمل المحيطة بها، ثم ننظر في ما يقوله سائر العهد الجديد عن صلاة المسيحيين بعضهم لأجل بعض، ثم نقول بوضوح ما الذي يظنّ المسيحيون الأرثوذكس أنهم يفعلونه.
في العالم البروتستانتي عندنا أمثلة كثيرة لأناس ذوي قلوب ليّنة، هم، لمحبّة المسيح، لطفاء بالآخرين.
الأب سيرافيم روز، حديث في البساطة (1979)، في الأب الراهب دمسكينوس، Father Seraphim Rose: His Life and Works (الأب سيرافيم روز: حياته وأعماله)، الفصل 87 (أخوية القديس هرمان الألاسكي)
ما الذي يفعله بولس في تلك الفقرة
تستهلّ الفقرة التي تحوي الآية بأمر بالشفاعة: «فأطلب أول كل شيء أن تُقام طلبات وصلوات وابتهالات وتشكّرات لأجل جميع الناس» (١تي ٢:١). فقبل أربع آيات من كتابته أن ثمّة وسيطاً واحداً، يوصي بولس المسيحيين بأن يقفوا بين سائر الناس وبين الله في الصلاة. ولو كانت شفاعة المخلوق منافسةً للمسيح، لكان هذا أول موضع يجب أن تُستبعَد فيه.
والذي يجعل وساطة المسيح فريدة مذكور في السطر التالي مباشرةً: إنه «بذل نفسه فديةً لأجل الجميع» (١تي ٢:٦). وهذا فعل من رتبة أخرى غير رتبة الطلب. فما من قدّيس مات لأجل خطايا أحد، وما من صلاة أرثوذكسية توحي بذلك، وتراتيل الكنيسة تقول العكس مرّات عدّة في كل خدمة.
وبولس نفسه يطلب الصلاة باستمرار، ولا يطلبها على سبيل المجاملة. فهو يتوسّل إلى أهل رومية أن يجاهدوا معه في صلواتهم، ويوصي أهل تسالونيكي مرّتين بأن يصلّوا لأجله، ويطلب من أهل أفسس أن يصلّوا لكي يُعطى كلاماً يتكلّم به. ويقرّر يعقوب المبدأ: «طلبة البارّ تقتدر كثيراً في فعلها» (يع ٥:١٦). فالكتاب المقدس يعامل صلوات سائر المسيحيين على أنها فعّالة حقاً، ويخصّ الأبرار بالذكر.
طلب الصلاة ليس هو الصلاة إلى أحد
تطمس اللغة الإنكليزية تمييزاً مهمّاً هنا. فالفعل الإنكليزي الدالّ على الصلاة كان في الإنكليزية الأقدم يعني مجرّد الطلب، ولهذا يقول أبطال شكسبير «أطلب إليك» لأناس ليسوا آلهة بداهةً. والصلوات الأرثوذكسية الموجَّهة إلى القدّيسين طلبات بهذا المعنى الأقدم، وصياغتها تُظهر ذلك: صلّوا لأجلنا، اشفعوا فينا، تضرّعوا إلى المسيح إلهنا عنّا.
والذي لا يُطلَب من قدّيس قطّ هو ما لا يعطيه إلا الله. فما من مسيحيّ أرثوذكسيّ يطلب من قدّيس غفران الخطايا، ولا موهبة الروح القدس، ولا جسد المسيح ودمه. وكل خدمة تنتهي بردّ كل شيء إلى الثالوث القدّوس، وكل بركة تُعطى باسم الآب والابن والروح القدس.
والفرق سهل الرؤية عملياً. فابنة رعيّة في كوفان تطلب من المرأة الجالسة إلى جانبها في ساعة القهوة أن تصلّي لأجل موعد في المستشفى يوم الثلاثاء، ثم تطلب في ذلك المساء الشيء نفسه من القدّيس بندلايمون. وهي تعدّ ذلك حالتين من فعل واحد، لا يفترقان إلا في أن إحدى الصديقتين قد قطعت شوطاً أبعد ممّا قطعته هي.
هل يسمع الراقدون شيئاً؟
تحت الاعتراض اللاهوتي اعتراض عمليّ، وهو كثيراً ما يكون السؤال الحقيقي: الأموات لا يسمعونك، فمن تخاطب تحديداً؟ والأرثوذكسية لا تجيب بأن القدّيسين يعلمون كل شيء، لأنهم لا يعلمون. بل الجواب أنهم أحياء في المسيح، وأن ما يعرفونه عنّا إنما يعرفونه فيه لا بمعزل عنه.
والكتاب المقدس ليس صامتاً في هذا. فالمسيح يقول في شأن الآباء إن الله «ليس هو إله أموات بل إله أحياء، لأن الجميع عنده أحياء» (لو ٢٠:٣٨). ويقول أيضاً إنه يكون «فرح قدّام ملائكة الله بخاطئ واحد يتوب» (لو ١٥:١٠)، وهذا يعني أن أحداثاً بعينها في حيوات بعينها على الأرض معروفة في السماء.
وسفر الرؤيا يمضي أبعد. فتحت المذبح نفوس المذبوحين من أجل كلمة الله، وهم يصرخون بصوت عظيم سائلين الله: حتى متى لا تقضي؟ (رؤ ٦:٩-١٠). فهم واعون، ومدركون أن على الأرض أمراً لم يُنجَز بعد، وهم يسألون الله أن يفعل شيئاً في شأنه. ومهما يكن هذا المقطع، فهو شفاعة يقدّمها أناس ماتوا.
ما الذي يُظهر سفر الرؤيا حدوثه في السماء
ثمّة مشهدان في سفر الرؤيا يُقتبسان في كل بحث أرثوذكسيّ لهذا الموضوع تقريباً، ويجدر أن يُقرآ بتمهّل. فحين يأخذ الحمَل السفر، يخرّ أمامه الكائنات الحيّة الأربعة والشيوخ الأربعة والعشرون، «ولهم كل واحد قيثارات وجامات من ذهب مملوءة بخوراً هي صلوات القدّيسين» (رؤ ٥:٨). فصلوات المسيحيين على الأرض في أيدي آخرين، في السماء، تُقدَّم.
والمشهد الثاني أصرح. فملاك يقف عند المذبح ومعه مبخرة من ذهب، ويُعطى بخوراً كثيراً «لكي يقدّمه مع صلوات القدّيسين جميعهم على مذبح الذهب الذي أمام العرش»؛ وصعد دخان البخور مع صلوات القدّيسين «أمام الله من يد الملاك» (رؤ ٨:٣-٤).
ومهما يستنتج المرء من هاتين الآيتين، فإنهما لا تصفان السماء غرفةً مغلقة. بل تصفان مخلوقات في حضرة الله تتناول صلوات الكنيسة. ولهذا أيضاً تمتلئ الخدمة الأرثوذكسية بالبخور، ولهذا تُستهلّ صلاة الغروب بالآية: «لتستقم صلاتي كالبخور أمامك» (مز ١٤١:٢). فالمبخرة قول في كيفية سفر الصلاة.
ما فعله المسيحيون قبل أن يجادل فيه أحد
الممارسة أقدم من الحجج المسوقة لها، وهذا عادةً علامة على أنها نمت لا على أنها اختُرعت. ففي المزار الواقع تحت كنيسة القدّيس سبستيانوس في رومية، حفر الزوّار في الجصّ طلبات يسألون فيها بطرس وبولس أن يصلّيا لأجل أشخاص بأسمائهم؛ وتُؤرَّخ هذه الخربشات عادةً بمنتصف القرن الثالث. وليست هذه أطروحات لاهوتية. إنها خطّ أيدي مسيحيين عاديين.
وفي مانشستر أقدم صلاة معروفة موجَّهة إلى والدة الإله، وهي «تحت ستر رحمتك نلتجئ» (Sub tuum praesidium)، على بردية يونانية. وتاريخها موضع نزاع، إذ يضعه الباحثون في مدى يمتدّ من القرن الثالث إلى الرابع، والعرض الأمين ينبغي أن يقول ذلك لا أن يتمسّك بأقدم رقم. وهي تسأل حمايتها وصلواتها، ولا تزال تُرتَّل في الكنائس الأرثوذكسية.
وبحلول سنة ٧٨٧ كانت الممارسة قد قدُمت حتى إن مجمع نيقية المسكوني الثاني وصفها بالتقليد المتسلَّم، متكلّماً عن إكرام والدة الإله والملائكة والرسل والأنبياء والشهداء، وعن التماس شفاعاتهم. ومجمع من ذلك التاريخ لا يحسم المسألة عند القارئ البروتستانتي، وهو لا يُقدَّم هنا كأنه يحسمها. لكنه، بوصفه شهادةً تاريخية، يُظهر ما كان المسيحيون يفعلونه أصلاً وما كانوا قد فعلوه زمناً طويلاً.
القلق الصادق: الخطّ قابل للطمس فعلاً
وهنا الجزء الذي لا ينبغي للكتّاب الأرثوذكس أن يمرّوا عليه مسرعين. فالتقوى الشعبية تنحرف فعلاً، في كل قرن وكل بلد. فقد يُعامَل قدّيس معاملة اختصاصيّ يُستشار في ضرب واحد من الضيق، وقد تنزلق الصلاة إلى مساومة، وقد تُقصَد والدة الإله كأنها أرأف من ابنها، وهذا يشوّه الإنجيل في صميمه. ومن قضى وقتاً في رعيّة كبيرة رأى شيئاً من ذلك.
وقد عرفت الكنيسة هذا منذ زمن طويل وتصرّفت. فمجمع اللاذقية في القرن الرابع منع المسيحيين من ترك كنيسة الله واستدعاء الملائكة في مجامع منفصلة، واصفاً ذلك بأنه عبادة أوثان مستترة، ويبدو أن هذا هو الضلال نفسه الذي يحذّر منه بولس في كو ٢:١٨. ويلاحظ الشرّاح أن المجمع نفسه يفترض إكرام الشهداء بداهةً في مواضع أخرى، فالهدف إذاً عبادة منافسة لا الشفاعة بذاتها.
والكاهن الأرثوذكسي يستخلص من هذا التاريخ نتيجةً ليست دفاعية. فحيث صارت ممارسة ابن الرعية خرافةً، فالجواب أن تُصحَّح لا أن تُبرَّر بالتأويل. والتمييز بين الإكرام والعبادة قائم بالذات لأن الخطّ قابل للعبور، وما من أحد يرسم خطاً حيث لا يمكن لأحد أن يضلّ.
ما الذي يُطلَب فعلاً
انزع التشويهات فلا يبقى إلا شيء متواضع. فالمسيحيّ يؤمن بأن الكنيسة جسد واحد، وبأن الموت لم يمزّقه، وبأن طلب الصلاة من عضو في ذلك الجسد ليس إهانةً لرأسه. وكل طلب يُوجَّه إلى قدّيس هو طلب أن يسأل هو المسيح، ولهذا يأتي الجواب عن كل صلاة من هذا النوع منه هو.
وما من أحد يظنّ أن طلب الصلاة من صديق بعد الخدمة لأجل طفل مريض يقيم ذلك الصديق منافساً للمسيح. والأرثوذكسية تمدّ هذه المجاملة العادية نفسها إلى ما وراء القبر، على أساس أن الصديق الذي دُفن العام الماضي ليس أقلّ حياةً من الجالس في الكرسيّ المجاور. وهذا إمّا صحيح وإمّا غير صحيح؛ وهو في الحالين ليس عبادةً للأوثان.
وثمّة نقطة أهدأ. فالمسيحيّ الذي لا يطلب من أحد أن يصلّي لأجله ليس أقرب إلى المسيح بذلك، بل هو أشدّ وحدةً فحسب، والكتابات الرسولية لا تمدح وحدةً من هذا النوع. فرسائل بولس مملوءة بأناس يسند بعضهم بعضاً. والأرثوذكسية تؤمن ببساطة بأن لائحة من يمكنهم أن يسندوك أطول من سجلّ الرعية.
أين ينتهي هذا بقارئ لا يوافق
ليس في هذا المقال ما يطلب من زائر بروتستانتيّ أن يبدأ بطلب الصلاة من القدّيسين. إنما فيه طلب واحد: أن تُوزَن الممارسة بما هي لا بما تشبهه من بعيد: طلبُ صلاة، موجَّه إلى مسيحيين أحياء في المسيح، يجيب عنه المسيح وحده.
والأب سيرافيم روز، وهو الراهب الكاهن الأميركيّ الذي تقود كتبه كثيراً من السائلين إلى هذا الموضوع، نشأ في أسرة بروتستانتية وكتب مطوّلاً في كيفية مخاطبة المسيحيين الأرثوذكس لمن جاؤوا من بينهم. وقد حمل التعليم الأرثوذكسي التقليدي القائل إن الكنيسة واحدة وإن الأسرار تُعطى فيها، وأبى مع ذلك أن يحكم في موقف أي فرد أمام الله.
والرعية في كوفان تقيم السهرانة مساء السبت والقدّاس صباح الأحد، والطلبات في كليهما تتضمّن صلوات لأجل الأحياء، وصلوات لأجل الراقدين، والتماس صلوات القدّيسين. وأهلاً بالزائر أن يقف خلالها كلها وأن يوافق على بعضها فقط.
ليس ثمّة سبب يمنعنا من أن نسمّيهم مسيحيين وأن نكون معهم على وفاق
الأب سيرافيم روز، رسالة بتاريخ 27 تشرين الثاني 1980، في الأب الراهب دمسكينوس، Father Seraphim Rose: His Life and Works، الفصل 84 (أخوية القديس هرمان الألاسكي)