عبارةٌ من كتابٍ صدر سنة ١٩٧٥
في نيسان (أبريل) ١٩٧٥ طبعت مطبعة رهبانية صغيرة في شمال كاليفورنيا كتابًا عنوانه Orthodoxy and the Religion of the Future («الأرثوذكسية ودين المستقبل»). وكان مؤلّفه الأب الراهب سيرافيم (روز)، وهو أميركي نال درجة الماجستير في اللغات الشرقية من بيركلي، وأمضى سنوات بين الباحثين عن الحقيقة في سان فرنسيسكو، ثم ذهب ليعيش راهبًا في غابة بلاتينا. ويحمل الفصل الخامس من ذلك الكتاب عنوانًا عمّر أطول من معظم ما سواه: «‹الوعي الديني الجديد›: روح الطوائف الشرقية في السبعينات».
وقد وضع العبارة بين علامتَي اقتباس لأنها لم تكن من سكّه. كانت في الهواء من حوله. ففي السنة التالية حرّر عالِما اجتماع من بيركلي، تشارلز غلوك وروبرت بيلا، مجلّدًا بالعنوان نفسه لمطبعة جامعة كاليفورنيا. وكان المؤمنون وغير المؤمنين على السواء يرون أن شيئًا يتحوّل في الحياة الدينية الأميركية، وكان كلا الفريقين يبحث عن اسم.
ما الذي كان ينظر إليه فعلًا
الفصل تقريرٌ ميداني قبل أن يكون حجّة. فأقسامه الخمسة تمرّ بمشاهد كان في وسع ابن كاليفورنيا في ذلك الزمن أن يحضرها في عصر يومٍ فارغ: أتباع هاري كريشنا يرتّلون في سان فرنسيسكو، والغورو مهراج جي يملأ أسترودوم هيوستن، واليوغا التانترية في جبال نيو مكسيكو، وتدريب الزن في شمال كاليفورنيا. ولا يبدأ باستخلاص النتائج إلا في القسم الخامس، «‹الروحانية› الجديدة في مواجهة المسيحية».
ولم تكن هذه المادة غريبةً عنه. فقبل معموديته درس في أكاديمية الدراسات الآسيوية في سان فرنسيسكو على آلان واتس، وكان دارسًا جادًّا للفكر الشرقي حقًّا لا سائحًا عدائيًّا فيه. وحين يكتب عن جاذبية هذه الحركات فإنما يصف شيئًا شعر به. ويجدر إبقاء ذلك في البال، لأنه ينقل نبرة الفصل من الشجب إلى التعرّف.
وخلف المشاهد المفردة ظنّ أنه يرى شكلًا واحدًا. فكلٌّ منها يعد بالاتصال بواقعٍ أعمق من الواقع العادي. وكلٌّ منها يعرض تقنيةً للوصول إليه. وكلٌّ منها، في قراءته، يعرض ذلك الاتصال بشروطٍ لا تطلب شيئًا من حياة طالبه الأخلاقية.
التشخيص: خبرةٌ بلا توبة
هنا لبّ الأمر. فما سمّاه لم يكن عقيدةً بل شهيّة: شهيّةً إلى الأحوال، وإلى الحضور المحسوس، وإلى المتعالي بوصفه شيئًا يُعطى للإنسان لا شيئًا يُعاد به تكوين الإنسان. كان السلام والرضى يُعرضان كسلعتين، بسرعةٍ وبلا كلفةٍ أخلاقية، وظنّ أن المسيحيين بدأوا يتسوّقون في السوق نفسها تحت لافتاتٍ مسيحية.
ولم يكن جوابه إنكار وقوع تلك الخبرات، بل إنكار أنها تُثبت شيئًا. فالخبرة قد تكون حيّةً لا تُنسى، بل ولطيفة الوقع، ولا تقول لك مع ذلك شيئًا البتّة عن مصدرها. وفي مقابل الوعد بالوصول السريع وضع وصفًا للحياة المسيحية يكاد يبدو قاسيًا بالمقارنة، وقد قصد أن يطبّقه على نفسه قبل أي أحدٍ آخر.
تتكوّن الروحانية المسيحية في الجهاد الشاقّ لاقتناء ملكوت السماوات الأبدي
الأب سيرافيم روز، Orthodoxy and the Religion of the Future («الأرثوذكسية ودين المستقبل»)، الفصل الثامن، القسم 2 (أخوية القديس هرمان الألاسكي، الطبعة الخامسة، 2004)
ملاحظة ضرورية في نسبة الفصول إلى كاتبيها
على كل من يقتبس هذا الكتاب أن يعلم أنه مجموعةٌ محرَّرة بقدر ما هو حجّة، وأن فصوله الأولى ليست للأب سيرافيم إطلاقًا. فالنسبات إليه منتشرة وكثيرًا ما تكون خاطئة. وهذه هي التوقيعات المطبوعة في الطبعة الخامسة:
أما الأب سيرافيم نفسه فكتب التمهيد والمقدّمة والفصول من الرابع إلى الثامن والخاتمة «جونزتاون وعقد الثمانينات»، وجمع الكتاب كلّه وحرّره. والفصل الخاص بالوعي الديني الجديد له هو. أما الحجّة في ما إذا كان المسيحيون وغير المسيحيين يعبدون الإله نفسه، وهي أكثر ما يُقتبس من هذا الكتاب، فهي للأب باسيليوس ساكاس، ونسبتها إلى الأب سيرافيم خطأ في الواقعة لا أكثر. وهو في المقدّمة يصف تلك الفصول المستعارة بضمير الغائب، كما يفعل المحرّر:
تقدّم الفصول الثلاثة الأولى مقاربةً عامة للديانات غير المسيحية ولاختلافها الجذري عن المسيحية، في اللاهوت وفي الحياة الروحية معًا.
الأب سيرافيم روز، Orthodoxy and the Religion of the Future («الأرثوذكسية ودين المستقبل»)، المقدّمة، القسم 4 (أخوية القديس هرمان الألاسكي، الطبعة الخامسة، 2004)
- الفصل الأول، «الديانات ‹التوحيدية›» — للأب باسيليوس ساكاس، معاد نشره عن La Foi Transmise («الإيمان المُسلَّم»)، ٥ نيسان (أبريل) ١٩٧٠
- الفصل الثاني، «قوّة آلهة الوثنيين» — بقلم «مهتدٍ إلى الأرثوذكسية»
- الفصل الثالث، «‹أعجوبة› فقير وصلاة يسوع» — للأرشمندريت نيقولاوس دروبيازغين
- تمهيد الطبعة الخامسة وخاتمة الطبعة الخامسة — للأب الراهب دمسكينوس
لماذا تهمّ الطبعة
أُعيد طبع الكتاب تسع مرّات منذ ١٩٧٥، عبر خمس طبعات، وصدرت الطبعة الخامسة سنة ٢٠٠٤. ولم يبقَ نصّه متطابقًا عبر تلك الطبعات، والتغييرات تمسّ مسائل عن الكنيسة ليست ثانوية. وقد سأل سيرغي تشابنين علنًا: أيّ نسخةٍ هي حقًّا نسخة الأب سيرافيم، ومن أذن بالتنقيحات، وبأيّ سلطة.
ولم يُحسَم هذا السؤال، وليست هذه الرعيّة في موضعٍ يخوّلها حسمه. والنتيجة العملية للقارئ بسيطة، وهي جديرة بالمراعاة في كل مكان: سمِّ الطبعة التي تقتبس منها. وكل ما يُستشهد به في هذه الصفحة مأخوذ من الطبعة الخامسة، طبعة ٢٠٠٤.
وليس شيء من هذا سببًا لعدم الثقة بالكتاب. إنه سببٌ لقراءته بوصفه وثيقةً لها تاريخ، كتبها رجلٌ في أوائل الأربعينات من عمره في عقدٍ بعينه، ونقّحها بعد موته أناسٌ أحبّوه، ويقتبسها منذ ذلك الحين قرّاءٌ لا يعرف أكثرهم أيّ الأجزاء له.
المعيار الإيجابي: التواضع والصليب
انزع أثاث السبعينات ويبقى معيار، وليس المعيار في أيّ حركةٍ تُتجنَّب. إنه في صورة الخبرة المسيحية الحقيقية من الداخل. والآباء الذين كان الأب سيرافيم يستند إليهم متّفقون هنا: النعمة تجعل الإنسان أهدأ، وأكثر ارتيابًا في نفسه، وأطول أناةً مع الآخرين، وأقبل للإزعاج من أجلهم.
والمقياس هو الصليب، ولذلك لا يمكن أن يكون المعيار هو شدّة الشعور. «إن أراد أحدٌ أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني» (مت ١٦:٢٤). فالخبرة التي تترك صاحبها أكثر يقينًا من تقدّمه قد سقطت في الامتحان، مهما كانت حيّة. ويوم ثلاثاء عادي يُقضى في مسامحة أحدٍ قد نجح فيه، مهما بدا باهتًا.
ويقول بولس لأهل فيلبّي أن يتمّموا خلاصهم بخوفٍ ورعدة (في ٢:١٢). وتلك العبارة، «بخوفٍ ورعدة»، من طبقةٍ نقيض التي كان يعمل فيها الوعي الديني الجديد، والفرق ليس فرق مزاج. إنه فرقٌ في الغاية التي وُجد الإنسان لأجلها.
ليس هذا حكمًا على جيران أحد
من السهل أن يُقرأ الفصل الخامس كقائمة بمن يجب الارتياب فيهم، وقد فعل بعض القرّاء ذلك بالضبط. وليست تلك الطريقة التي طلب كاتبه أن يُقرأ بها في آخر حياته. ففي تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٨٠ كتبت إليه موعوظة متضايقة من الألفاظ التي رأت كتّابًا أرثوذكسًا يستعملونها في حقّ مسيحيين آخرين، وسألته إن كان لها أن تظلّ تسمّي أهلها البروتستانت والكاثوليك مسيحيين. وجوابه، الذي نسبه إلى الأب ديمتري دودكو، صار أكثر ما كتبه اقتباسًا:
وفي تلك السنوات نفسها وضع الأمر مطبوعًا لا في رسالةٍ خاصة. فقسوة المهتدين، كما كتب في The Orthodox Word («الكلمة الأرثوذكسية»)، خاطئةٌ روحيًّا حتى حين تُصاغ صياغةً صحيحةً لاهوتيًّا، وهي تُبعد عن الكنيسة أناسًا كانوا سيُجذبون إليها لولا ذلك. ورأى أيضًا أن جزءًا من سبب عدم رؤية الآخرين للأرثوذكسية هو أننا لم نعشها بطريقةٍ يستطيعون التعرّف إليها. وكانت أمّه بروتستانتية وأبوه كاثوليكيًّا سابقًا صار بروتستانتيًّا، وكانت نصيحته للمهتدين أن يعيشوا بسلام، ولا سيّما مع عائلاتهم.
علينا أن ننظر إلى غير الأرثوذكس كأناسٍ لم تُعلَن لهم الأرثوذكسية بعد، كأناسٍ هم أرثوذكس بالقوّة
الأب سيرافيم روز، رسالة بتاريخ 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 1980، في الأب الراهب دمسكينوس، Father Seraphim Rose: His Life and Works («الأب سيرافيم روز: حياته وأعماله»)، الفصل 84 (أخوية القديس هرمان الألاسكي)
ما عسى قارئ سنة ٢٠٢٦ أن يصنع به
بعد نصف قرن تقادمت المشاهد بعينها. فالأشرم صار مركز خلوةٍ وتطبيقًا على الهاتف. وتمارين التنفّس، ونباتات الهلوسة، وعطلات الصمت، وتحسين النوم، والحياة الداخلية المقيسة بالأرقام: كثيرٌ مما يُباع اليوم باسم العافية يقدّم العرض نفسه الذي وصفه الفصل، وهو التعالي بلا توبة، ويقدّمه على نطاقٍ واسع وباشتراكٍ شهري. والشهيّة لم تذهب إلى أي مكان. إنها صُنِّعت فحسب.
وأجزاء أخرى من الكتاب احتملت الزمن احتمالًا أقلّ. فالفصل الخاص بالأجسام الطائرة المجهولة تبدو قراءته اليوم غريبة. ورأى قرّاءٌ أكاديميون أن الكتاب كلّه جدليّ وضعيف في التعامل مع دراسات الأديان، وهذا نقدٌ من الإنصاف تسجيله. ومكانة الأب سيرافيم نفسه في الكنيسة غير مستقرّة كذلك: هو مُكرَّم محلّيًّا في بعض المواضع، وفي كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٢٥ أنشأ مجمع أساقفة الكنيسة الروسية خارج روسيا لجنةً لدرس حياته وإرثه وإكرامه. وهو ليس قدّيسًا مُطوَّبًا في الكنيسة الروسية، وهذه الرعيّة لا تدعوه كذلك.
والذي يبقى هو السؤال الذي كان يطرحه، وهو سؤالٌ في وسع أي أحدٍ أن يستعمله. لا: هل هذا غريب أو أجنبي أو جديد؟ بل: هل يطلب هذا منّي شيئًا؟ هل يجعلني أسهل في العشرة؟
أن نوجّه السؤال إلى الداخل
أنفع ما في هذا التشخيص أنه يصلح للأرثوذكس تمامًا كما يصلح لغيرهم، وقد طبّقه الأب سيرافيم علينا أولًا. فقد يشتهي إنسانٌ الترتيل والبخور وجمال طقسٍ قديم ولذّة الانتماء إلى شيءٍ عريق، ويشتهي ذلك كلّه للأسباب نفسها التي يصفها الفصل الخامس. وقد قال ذلك مرارًا، واعترف بأنه يرتاب في كنيسةٍ ليس فيها إلا أيقونات صحيحة، لأن أهلها قد يكونون يتبعون موضة.
ولذلك تنتهي المقالة حيث يبدأ الانضباط فعلًا، أي عند الكاتب لا عند القارئ. فإن كنت جئت إلى هنا من جماعةٍ يُحبّ فيها المسيح ويدفأ فيها الترتيل، فليس في هذه الصفحة شيء مصوَّب إليك. الكنيسة الأرثوذكسية تدّعي لنفسها ادّعاءً كبيرًا، ولم نحاول تلطيفه. لكن الامتحان الذي تجريه أولًا هو لأعضائها هي، في يومٍ عادي من أيام الأسبوع، في الاعتراف. وأنت مُرحَّبٌ بك أن تأتي وترى كيف يمضي ذلك.