كلمةٌ واحدة تؤدّي ثلاث وظائف
معظم الخلافات حول المسكونية ليست خلافاتٍ أصلًا. إنها شخصان يستعملان كلمةً واحدة لأشياء مختلفة، ويكتشفان بعد دقائق أن أحدهما لا يفهم الآخر. ويحسن فصل المعاني قبل أي شيءٍ آخر، لأن الموقف الأرثوذكسي دقيقٌ جدًّا في أيّها يعترض عليه، ودقيقٌ جدًّا في أيّها لا يعترض عليه.
والكلمة نفسها أقدم من الخصومة. فهي من اليونانية «أويكومينِه»، أي المسكونة، وفي الاستعمال المسيحي ظلّت زمنًا طويلًا تعني شيئًا لا حدّة خلافية فيه البتّة. فمجامع نيقية والقسطنطينية وأفسس وخلقيدونية تُسمّى مسكونية لأنها كانت مجامع المسكونة المسيحية كلها لا مجامع إقليمٍ واحد. والمسيحي الأرثوذكسي يستعمل الكلمة بهذا المعنى كلّما دار الحديث على قانون الإيمان.
المعنى الأول: العمل معًا
أبسط المعاني عملي. فمسيحيون من اعترافاتٍ مختلفة يتعاونون في الإغاثة بعد زلزال، وفي خدمة المرضى في المستشفيات، وفي زيارة السجون، وفي إطعام الناس، وفي الدفاع عن الأجنّة أو عن ضحايا الاتّجار بالبشر، وفي إدارة بنك طعام. ولا يُقدَّم في ذلك ادّعاءٌ عقائدي ولا يُلمَّح إليه. فجماعتان تختلفان في الأسرار تحملان الصناديق نفسها إلى المستودع نفسه.
وليس في التعليم الأرثوذكسي ما يمنع هذا، وفي الإنجيل كثيرٌ يوجبه. فالسامري في المثل لم يُسأل عن لاهوته الكنسي قبل أن يُمدَح. وفي مدينةٍ كسنغافورة، حيث المسيحيون الأرثوذكس جماعة صغيرة جدًّا بين هيئات مسيحية أكبر بكثير، يكون هذا النوع من التعاون ملمحًا من ملامح الحياة العادية، ولا أحد في هذه الرعيّة يعدّه تنازلًا.
المعنى الثاني: الحوار اللاهوتي
المعنى الثاني هو الحديث الرسمي بين الكنائس في ما يفرّقها، يجريه لاهوتيون معيّنون على مدى عقود، ويثمر بياناتٍ متّفقًا عليها تتلقّاها الكنائس بعد ذلك أو تقيّدها أو ترفضها. وهذا أبطأ وأقلّ بريقًا مما يبدو، وهو جارٍ منذ زمنٍ طويل جدًّا.
والمشاركة الأرثوذكسية فيه ليست حديثةً ولا هامشية. ففي سنة ١٩٢٠ أصدرت البطريركية المسكونية في القسطنطينية رسالةً عامة موجّهة إلى كنائس المسيح في كل مكان، تقترح فيها عصبةً أو زمالةً للكنائس — وهي وثيقة تُعدّ عادةً من النصوص المؤسِّسة للحركة الحديثة. وكانت الكنائس الأرثوذكسية حاضرةً عند تأسيس مجلس الكنائس العالمي في أمستردام سنة ١٩٤٨. وانضمّت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية سنة ١٩٦١. وجرت حوارات ثنائية مع الكاثوليك الرومان والأنغليكان واللوثريين والمصلَحين والأرثوذكس الشرقيين، بانقطاعاتٍ، منذ ذلك الحين.
وكانت هناك لحظات رمزية أيضًا. ففي ٧ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٦٥ أعرب البطريرك أثيناغوراس القسطنطيني والبابا بولس السادس في آنٍ واحد عن الأسف على حرومات سنة ١٠٥٤ ورفعاها — وهو عمل مجاملةٍ متبادلة أزال إدانةً متبادلة من غير أن يعيد الشركة، وقد حرص على قول ذلك. وهو مثالٌ جيّد على ما يستطيع الحوار أن يفعله وما لا يستطيع.
المعنى الثالث: وحدةٌ على شرط اللامبالاة
المعنى الثالث هو الذي يولّد الحرارة. وهو الاقتراح، في صوره المختلفة، بأن الانقسامات بين المسيحيين تتعلّق بأمورٍ ثانوية الأهمية؛ وأن الاعترافات القائمة أغصانٌ في شجرةٍ واحدة، ليس واحد منها هو الكنيسة ببساطة؛ وأن الوحدة يمكن بالتالي أن تتحقّق بالاعتراف المتبادل والشركة المشتركة من غير حسمٍ مسبق لما يُؤمَن به فعلًا.
وإذا قيل الأمر بهذا العُري فقليلون من يوقّعون عليه. لكن شيئًا قريبًا منه طُرح في مواضع شتّى خلال القرن الماضي، تارةً كنظريةٍ في طبيعة الكنيسة، وتارةً كافتراضٍ عملي في السرعة التي ينبغي أن تسير بها الأمور. ونفاد الصبر مفهوم. فالانقسام بين المسيحيين فضيحة، والعالم كلّه يراه، وقد دام زمنًا طويلًا جدًّا.
وهذا المعنى الثالث، وهو وحده، ما يتعلّق به حذر الأرثوذكس. والاعتراض ليس على الصداقة، ولا على الحديث، ولا على الصلاة لأجل مسيحيين آخرين، ولا على إعجابٍ بهم. إنه اعتراضٌ على تصوّرٍ بعينه لماهية الكنيسة.
لماذا يشكّل المعنى الثالث صعوبةً للأرثوذكسية
لا يعمل اللاهوت الكنسي الأرثوذكسي على شكل اتّحادٍ فدرالي. فالكنيسة مفهومة بوصفها شيئًا واحدًا، منظورًا يمكن التعرّف إليه، لا زمالةً غير منظورة موزّعة على مؤسّساتٍ كلّها جزئية. وهذا ادّعاء كبير، وهو يُقال صراحةً، وتلطيفه لا يكون أمانة. وهو الادّعاء الذي أعاد المجمع المقدّس الكبير المنعقد في كريت سنة ٢٠١٦ تأكيده.
ومن ذلك الادّعاء يتبع ترتيبٌ بعينه. فالشركة من كأسٍ واحدة ليست وسيلةً لبلوغ الاتّفاق؛ إنها تعبيرٌ عن اتّفاقٍ بلغ بالفعل. ولذلك لا يتناول الأرثوذكس في كنائس أخرى ولا يقدّمون التناول لغيرهم، وليس هذا حكمًا على تقوى الناس هناك. إنه يتبع من معنى الفعل نفسه. فحيث تغيب وحدة الإيمان تكون علامة الوحدة قولًا غير صادق.
ولا تخصّ الصعوبة الأسرار وحدها. فإن كانت الفروق ثانوية، فالمجامع التي حدّدتها كانت تبتّ في أمورٍ ثانوية، والشهداء الذين ماتوا لأجلها ماتوا لأجل تفاصيل. والحدس الأرثوذكسي أن مضمون الإيمان أُعطي ولم يُصنَع بالتفاوض، وأنه ليس ملكًا للكنيسة تتاجر به.
ما كتبه الأب سيرافيم روز سنة ١٩٧٥
كتاب الأب سيرافيم روز Orthodoxy and the Religion of the Future («الأرثوذكسية ودين المستقبل»)، الصادر في نيسان (أبريل) ١٩٧٥، هو أكثر الكتب استشهادًا في النقاشات الإنكليزية حول هذا الموضوع، وهو أيضًا أكثرها تعرّضًا للاقتباس الخاطئ. وفي مقدّمته تمييزٌ يغفل عنه أكثر قرّائه. فهو يفصل بين ما يسمّيه المسكونية المسيحية، التي يراها قائمةً على إحساسٍ حقيقي وإن كان غير دقيق بمسيحيةٍ مشتركة، وبين الحوار مع الديانات غير المسيحية، الذي يعامله بوصفه شيئًا آخر تمامًا.
وعن الأولى يكتب جملةً تستحقّ أن تُقرأ مرّتين، لأن الصفات فيها ليست زينة. فهو لا يقدّم تنازلًا على مضض قبل أن يعود إلى الهجوم. إنه يقرّر ما يراه هو الموقف، بصوت رجلٍ يصف أناسًا عرفهم ولا يشكّ في دوافعهم:
وكلمة «صادق» تعمل عملًا حقيقيًّا هناك، وكذلك كلمة «مفهوم». إنه يصف خطأً ويقول ذلك، لكنه يصفه خطأ أناسٍ يحاولون أن يفعلوا شيئًا لائقًا. وليست هذه جملة رجلٍ ظنّ أن البروتستانت والكاثوليك الرومان يتصرّفون بسوء نيّة.
وينبغي أن يصحب استعمال هذا الكتاب تحذيران. الأول أن الفصول الأول والثاني والثالث ليست للأب سيرافيم: فهي للأب باسيليوس ساكاس، ولمهتدٍ إلى الأرثوذكسية لم يُذكر اسمه، وللأرشمندريت نيقولاوس دروبيازغين على التوالي، وتمهيد الطبعة الخامسة وخاتمتها للأب الراهب دمسكينوس. والفصل الذي يجادل في ما إذا كان المسيحيون وغير المسيحيين يعبدون الإله نفسه هو للأب باسيليوس لا له. والثاني أن النصّ تبدّل بين الطبعات، بما في ذلك في مواضع تمسّ الكنيسة، وقد طُرح هذا علنًا موضعَ سؤال. فسمِّ الطبعة. وهذه الصفحة تستعمل الطبعة الخامسة، طبعة ٢٠٠٤.
يمكن أن يُرى أن الحركة المسكونية «المسيحية»، في أحسن أحوالها، تمثّل خطأً صادقًا ومفهومًا من جانب البروتستانت والكاثوليك الرومان
الأب سيرافيم روز، Orthodoxy and the Religion of the Future («الأرثوذكسية ودين المستقبل»)، المقدّمة، القسم 2 (أخوية القديس هرمان الألاسكي، الطبعة الخامسة، 2004)
ما الذي تغيّر منذ سنة ١٩٧٥
لا ينبغي للقارئ أن يفترض أن الحال التي وصفها الأب سيرافيم سنة ١٩٧٥ هي الحال اليوم. فقد تحرّك كثيرٌ منذ ذلك الحين، في الاتّجاهين معًا، والعرض الأمين للكلمة عليه أن يقول ذلك لا أن يجمّد الصورة عند السنة التي صدر فيها كتابٌ معروف.
فقد نما عدم رضى الأرثوذكس عن مجلس الكنائس العالمي خلال التسعينات، وانسحبت منه الكنيستان الجورجية والبلغارية في أواخر ذلك العقد. وبدل ترك الأمر يتسيّب، أنشأ المجلس لجنةً خاصة بالمشاركة الأرثوذكسية في جمعيّته في كانون الأول (ديسمبر) ١٩٩٨. ورفعت اللجنة تقريرها سنة ٢٠٠٢، وكانت توصيتها المحورية بنيوية: أن تُتّخذ القرارات بالتوافق لا بتصويت الأكثرية، حتى لا تُغلَب أقلّية في مسائل الضمير. وقد جُرّب ذلك المنهج سنة ٢٠٠٥ وطُبِّق في جمعيّة سنة ٢٠٠٦.
ثم في حزيران (يونيو) ٢٠١٦ انعقد المجمع المقدّس الكبير في كريت واعتمد وثيقةً في العلاقات مع بقيّة العالم المسيحي. وهي تجمع أمرين من غير حرج. تقول إن الكنيسة الأرثوذكسية هي الكنيسة الواحدة المقدّسة الجامعة الرسولية، وتسجّل في الوقت نفسه أنها تقبل الأسماء التاريخية للكنائس والاعترافات المسيحية الأخرى غير المتّحدة بها في الشركة، وأنها شاركت في الحركة المسكونية منذ بدايتها، وأنها ترى هذه المشاركة متوافقة مع تقليدها لا غريبةً عنه.
وأربع كنائس مستقلّة لم تحضر ذلك المجمع — أنطاكية وروسيا وجورجيا وبلغاريا — لأسبابٍ شتّى، بعضها لا صلة له بهذه الوثيقة، وكان تلقّي نصوص المجمع في العالم الأرثوذكسي متفاوتًا. وهذا أيضًا من العرض المنصف. فالقارئ الذي يُقال له إن المجمع تكلّم فحسب قد قيل له نصف ما جرى.
فالنقاش إذن مستمرّ، ويجدر الوضوح في طبيعته. إنه نقاشٌ بين مسيحيين أرثوذكس، يجريه أساقفة ولاهوتيون ليسوا سيّئي النيّة في أيٍّ من الجانبين، حول كيفية الجمع بين ادّعاءٍ قويّ عن الكنيسة وواجبٍ حقيقي في المحبّة. وليس إجماعًا مستقرًّا، ومن يعرضه كذلك يبسّط الأمر.
ما معنى هذا لصداقةٍ عادية
أكثر من يقرأ صفحةً كهذه لا يقرّر سياسة مجمعٍ كنسي. عنده زميلٌ ميثودي، أو أمٌّ أنغليكانية، أو زوجٌ نشأ معمدانيًّا ولا يزال. والسؤال عملي: ما الذي يُسمح لي أن أقوله وأفعله؟
وقد أجاب الأب سيرافيم عن هذا السؤال مباشرةً في رسالةٍ في تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٨٠، كتبها إلى موعوظة تضايقت من اللغة التي رأت كتّابًا أرثوذكسًا آخرين يستعملونها. أعطى الادّعاء الحصري عن الكنيسة بلا تلطيف، ثم وضع حدًّا لما يجوز أن يُستنتج منه:
ومن ذلك الحدّ تتبع بقيّة نصيحته، وهي نصيحة غير لافتة لكن العيش بمقتضاها عسير. سمِّهم مسيحيين. وكن على وفاقٍ معهم. واحفظ السلام في البيت قبل كل شيء، لأن أقرب الناس إلى أن تجرحه لغةُ المهتدي الجديدة هي أمٌّ أو زوج. وكان يرى أن النبرة القاسية لا تسوغ إلا حين يسعى أحدهم فعلًا إلى انتزاع رعيّة الكنيسة أو إلى تغيير تعليمها.
ليس لنا أن نحدّد حال الذين هم خارج الكنيسة الأرثوذكسية
الأب سيرافيم روز، رسالة بتاريخ 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 1980، في الأب الراهب دمسكينوس، Father Seraphim Rose: His Life and Works («الأب سيرافيم روز: حياته وأعماله»)، الفصل 84 (أخوية القديس هرمان الألاسكي)
أين يترك هذا القارئ
ثلاثة معانٍ إذن، وهي تستحقّ ثلاثة أجوبة مختلفة. فالتعاون في أعمال الرحمة لا يحتاج إلى دفاع. والحوار اللاهوتي له مشاركة أرثوذكسية تمتدّ أكثر من قرن وتستمرّ بتأييد مجمع سنة ٢٠١٦. أما الوحدة المشتراة بمعاملة مضمون الإيمان كأمرٍ ثانوي فهي الشيء الذي يرفضه المسيحيون الأرثوذكس، والسبب ليس البرود بل فهمٌ بعينه لماهية الكنيسة.
وقول ذلك صراحةً ليس كقوله بقسوة، والأب سيرافيم، الذي أمضى سنواته الأخيرة يجادل إخوته المهتدين في هذا بالذات، كان سيصرّ على الفرق. فقد رأى أن صحّةً باردة تُبعد عن الكنيسة أناسًا كانوا سيأتون لولا ذلك. وإن كنت قد قرأت إلى هنا وأنت تخالف الفقرة الثالثة من كل قسم، فأنت مع ذلك مُرحَّبٌ بك في رعيّة الرقاد في كوفان صباح الأحد، ولن يسألك أحد أين تقف قبل أن يقدّم لك الشاي.
لا سبب يمنعنا من أن نسمّيهم مسيحيين وأن نكون على وفاقٍ معهم
الأب سيرافيم روز، رسالة بتاريخ 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 1980، في الأب الراهب دمسكينوس، Father Seraphim Rose: His Life and Works («الأب سيرافيم روز: حياته وأعماله»)، الفصل 84 (أخوية القديس هرمان الألاسكي)