لماذا يسأل الناس هذا السؤال
يأتي السؤال عادةً وفيه حدّة، من هذا الطرف أو ذاك. فأحدهم يريد أن يثبت أنّ الكتاب المقدس نتاج لجنة ويمكن بالتالي أن يُطرح. وآخر يريد أن يثبت أنّ الكنيسة صنعت الكتاب وهي بالتالي فوقه. والسجلّ الوثائقي لا يخدم أيّاً من الطموحين خدمةً حسنة، وهذا سببٌ وجيه لرواية القصة بعناية وترك التواريخ تقوم بالعمل.
وما يلي خلاصةٌ لما يمكن إثباته فعلاً، مع المصادر في آخر الصفحة ليتمكّن كلّ قارئٍ من التحقّق. وحيث تكون الأدلّة ضعيفة أو موضع نزاعٍ حقيقي تقول هذه المقالة ذلك بدل أن تملّسه.
أوّلاً كانت القراءة، لا اللائحة
في معظم القرن الثاني لم تكن ثمّة لائحة ولا حاجةٌ محسوسة إليها. فالجماعات كانت تقرأ الرسائل التي أُرسلت إليها والأناجيل التي تسلّمتها، وكانت تقرأها في الإفخارستيا. فالسفر كان يعمل عمل الكتاب المقدس في الممارسة قبل أن يجادل أحدٌ في كونه كتاباً مقدساً من حيث المبدأ بوقتٍ طويل. والقديس يوستينوس الشهيد، وهو يكتب نحو منتصف القرن الثاني، يصف قراءة مذكّرات الرسل يوم الأحد إلى جانب كتابات الأنبياء.
وجاء الضغط إلى التصريح من جهتين في آنٍ واحد. فمرقيون نشر في أربعينات القرن الثاني مجموعةً مختصرة اختصاراً شديداً تتألّف من إنجيلٍ واحد منقّح وعشر رسائل لبولس. وفي الوقت نفسه كانت جماعاتٌ أخرى تنشر كتاباتٍ جديدة تحت أسماء الرسل. ولمّا صار الحذف والإضافة معروضين معاً، لزم الكنائس أن تقول بصوتٍ عالٍ ما كانت تفعله في صمتٍ طوال الوقت.
والقِطعة الموراتورية، وهي لائحةٌ لاتينية متضرّرة اكتُشفت في القرن الثامن عشر، تُؤرَّخ عادةً بأواخر القرن الثاني، وإن كانت أقليّةٌ من الباحثين تضعها في زمنٍ متأخّر بكثير. وهي على أيّ التأريخين تُظهر جماعةً لديها عهدٌ جديد شبه كامل، ونواةٌ راسخة، وحفنة شكوكٍ عند الأطراف.
أوسابيوس يُحصي، نحو سنة ٣٢٥
أوضح لقطةٍ مبكّرة نجدها في التاريخ الكنسي لأوسابيوس القيصري، الكتاب الثالث، الفصل الخامس والعشرين. فهو يصنّف الأسفار في مجموعات. المقبولة: الأناجيل الأربعة، وأعمال الرسل، ورسائل بولس، ورسالة يوحنا الأولى، ورسالة بطرس الأولى، ثم، بعبارته الحذرة، «إن رُئي ذلك صواباً»، رؤيا يوحنا. والمتنازع فيها وإن قبلها كثيرون: يعقوب، ويهوذا، وبطرس الثانية، ويوحنا الثانية والثالثة.
وفي مجموعته الثالثة، المرفوضة، أعمال بولس، وراعي هرماس، ورؤيا بطرس، ورسالة برنابا، وتعليم الرسل، ثم رؤيا يوحنا مرّةً أخرى، إذ يرفضها بعضهم ويصنّفها آخرون مع الأسفار المقبولة. فالرؤيا تظهر مرّتين لأنّ أوسابيوس ينقل خلافاً قائماً لا يحسمه. وهكذا كانت الحال بعد ثلاثة قرونٍ من القيامة: نواةٌ مستقرّة، وهامشٌ متنازع فيه، ولا مجمع في الموضوع.
أثناسيوس، فصح سنة ٣٦٧
كان أساقفة الإسكندرية يرسلون كلّ سنة رسالةً فصحية تعلن تاريخ الفصح وتضيف إرشاداً رعائياً. والرسالة التاسعة والثلاثون من هذه، التي أرسلها القديس أثناسيوس الكبير سنة ٣٦٧، تتضمّن أقدم لائحةٍ باقية لأسفار العهد الجديد السبعة والعشرين كما هي اليوم بالضبط، والرؤيا فيها. وهو يسمّيها ينابيع الخلاص ويقول إنّه لا ينبغي لأحدٍ أن يزيد عليها أو ينقص منها.
والرسالة أطرف من شهرتها. فأثناسيوس يضيف صنفاً ثانياً: أسفارٌ «ليست داخلةً في القانون، لكنّ الآباء رتّبوا أن تُقرأ» على الداخلين حديثاً في الكنيسة. ويعدّد حكمة سليمان، وحكمة يشوع بن سيراخ، وأستير، ويهوديت، وطوبيّا، وتعليم الرسل، والراعي. فأستير تقف في اللائحة الثانية لا في الأولى.
ورواية مرتّبة تحسم فيها سنة ٣٦٧ كلّ شيء لا تصمد أمام قراءةٍ فعلية للرسالة. فالذي يعطيه أثناسيوس حكمٌ رسمي من أسقفٍ واحد لكرسيّه الواسع، في صيغةٍ تبيّن بعدئذٍ أنّها مقنعة في أماكن أخرى. وهذا كثير، وهو ليس مرسوماً شاملاً.
المجامع المحلّية
ثم أقرّت المجامع، إقليماً إقليماً، ما كان مستعملاً أصلاً. فالمجمعان الأفريقيان في هيبو سنة ٣٩٣ وفي قرطاجة سنة ٣٩٧ أصدرا لائحة؛ والنصّ الذي يسهل الرجوع إليه اليوم محفوظٌ في المجموعة القانونية لمجمع قرطاجة سنة ٤١٩، وقانونه في هذا الباب يسمّي طوبيّا ويهوديت وأستير وسفرَي المكابيين وأسفار سليمان الخمسة ورؤيا يوحنا، ويختم بالقول إنّ هذه هي الأمور التي تسلّمناها من الآباء لتُقرأ في الكنيسة.
ومجمع لاودكية في فريجية، في القرن الرابع، أصدر في قانونه الستّين لائحةً تعطي ستّةً وعشرين سفراً من العهد الجديد وتحذف الرؤيا. والطبعة الإنكليزية المعتمدة للقوانين تحمل حاشيةً تحريرية تقول إنّ صحّة هذا القانون بالذات موضع شكّ. وكلتا الحقيقتين تنتمي إلى روايةٍ أمينة، وحذف إحداهما ضربٌ من الترتيب المصطنع.
وفي سنة ٦٩٢ أقرّ المجمع الترُّلّي، المنعقد في القسطنطينية، سلسلةً طويلة من القوانين السابقة، ومنها قوانين لاودكية وقرطاجة مع الرسائل القانونية لأثناسيوس وغريغوريوس اللاهوتي وأمفيلوخيوس الإيقونيّ. وهذه اللوائح لا تتّفق بعضها مع بعضٍ في كلّ نقطة. وقد صدّق المجمع عليها معاً رغم ذلك، وفي هذا دلالةٌ على طريقة الكنيسة في حمل هذه المسألة.
الرؤيا، والأسفار التي طال الجدل فيها
أخذت الرؤيا أطول وقت. فقد شُكّ فيها في معظم الشرق الناطق باليونانية قروناً، ويعود بعض ذلك إلى جماعاتٍ احتكمت إليها فاستخرجت من صورها استنتاجاتٍ غريبة. والبشيطّا السريانية، وهي الكتاب المقدس المعتمد في الكنائس السريانية منذ أوائل القرن الخامس، تحوي اثنين وعشرين سفراً من العهد الجديد: فهي تحذف بطرس الثانية، ويوحنا الثانية والثالثة، ويهوذا، والرؤيا. ولم يكن ذلك تمرّداً. فتلك ببساطة هي الأسفار التي تسلّمتها تلك الجماعة.
وحتى اليوم تبقى الرؤيا السفر الوحيد من العهد الجديد الذي لا موضع له في جدول القراءات البيزنطي. فهي قانونيةٌ تماماً في الكنيسة الأرثوذكسية ولا تُقرأ في الخِدَم العلنية. وهذا الجمع يبدو غريباً إن تُصوِّر القانون لائحةً أُقرّت بتصويتٍ في جلسةٍ واحدة، ويبدو عادياً تماماً إن كان القانون قد نما ممّا كان يُقرأ فعلاً.
أمّا الرسائل المتنازع فيها، يعقوب ويهوذا وبطرس الثانية ورسالتا يوحنا القصيرتان، فقد جودل فيها نحو ثلاثمئة سنة قبل أن يتوقّف الجدال في هدوء. والعبرانيون شُكّ فيها في الغرب مدّةً طويلة لأسبابٍ تتعلّق بالكاتب. ولم يُنازَع في أيٍّ من هذه الأسفار لأنّ أحداً كره ما تعلّمه؛ فالشكوك كانت في الأصل وفي الانتشار.
أكثر من عهدٍ قديم واحد
العهد القديم هو موضع الفروق الحقيقية الباقية إلى اليوم. فالكنيسة الناطقة باليونانية استعملت الترجمة السبعينية، وفيها طوبيّا ويهوديت والحكمة وابن سيراخ وباروخ وسفرا المكابيين وصيغٌ أطول لدانيال وأستير. أمّا القديس إيرونيموس، وهو يترجم إلى اللاتينية نحو سنة ٤٠٠، ففضّل الحساب العبري الأقصر ووصف الأسفار الزائدة بأنّها نافعةٌ للبنيان لا لتثبيت العقيدة، وظلّ مع ذلك يترجمها.
وتبعت كتب الإصلاح حدس إيرونيموس فطبعت الأسفار المتنازع فيها منفصلةً بعنوان الأبوكريفا؛ ثم أسقطتها أكثر الطبعات البروتستانتية اللاحقة. وحدّد مجمع ترنت اللائحة الأطول للروم الكاثوليك سنة ١٥٤٦. أمّا الكنيسة الأرثوذكسية فلم تفعل هذا ولا ذاك. فقد ظلّت تطبع تلك الأسفار وتقرأها، وتسمّيها الأناغينوسكومينا، أي الأسفار التي تُقرأ، ولم تعامل تعدادها الدقيق قطّ بوصفه مسألةً تحتاج إلى تحديدٍ من هذا النوع.
والتفاوت يمتدّ أبعد من ذلك. فالكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية التوحيدية تتسلّم قانوناً أوسع يضمّ سفر أخنوخ الأوّل وسفر اليوبيلات. وما من أحدٍ في هذا التاريخ مستهتر. فكلّ جماعةٍ تنقل ما تسلّمته فعلاً، والفروق تقع كلّها تقريباً عند الأطراف لا في المركز.
لماذا قول «الكنيسة قرّرت» تبسيط
إنّها العبارة الأرثوذكسية المختصرة المعتادة، وهي ليست دقيقةً تماماً. فما تصوّر أحدٌ في القرن الرابع أنّ مجمعاً يستطيع أن يجعل سفراً رسولياً. بل كان الأساقفة والمجامع يفعلون شيئاً أكثر تواضعاً وأطرف: كانوا ينقلون، ثم يصدّقون، ما وجدت الكنائس أنّها لا تستطيع أن تكفّ عن قراءته.
والتعرّف كلمةٌ أفضل. فجماعةٌ تكتشف عبر أجيال أنّ أسفاراً بعينها تغذّيها، وتطابق الإيمان الذي تعلّمته، وتحمل رنين الرسل. وحيث كانت هذه الخبرة واحدة جاء الاتّفاق سريعاً. وحيث كانت متفاوتة، كما في الرؤيا في الشرق والعبرانيين في الغرب، أخذ الاتّفاق قروناً. وشكل هذه العملية ليس تشريعياً. إنّه أقرب إلى الطريقة البطيئة التي يتعلّم بها بيتٌ أيّ الكتب لا تغادر المائدة أبداً.
ورأى الأب سيرافيم روز، وهو مهتدٍ أميركي أمضى حياته في إعادة نشر مصادر أرثوذكسية مهملة، أنّ الرجوع والنظر في ما هو موجودٌ فعلاً هو المهمّة المركزية في زمنه. وفي كتابته عن القديس بَيسيوس فيليتشكوفسكي، الراهب الذي أنتج تلاميذه في القرن الثامن عشر نهضة أوبتينا، وضع أهمّيته في هذا الموضع بالذات.
«لقد أعاد توجيه انتباه المسيحيين الأرثوذكس إلى مصادر الأرثوذكسية المقدسة»
الأب سيرافيم روز، مقدّمة Blessed Paisius Velichkovsky: The Man Behind the Philokalia [الطوباوي بَيسيوس فيليتشكوفسكي: الرجل وراء الفيلوكاليا] (St. Herman of Alaska Brotherhood, 1994 [1976])
ماذا يلزم عن هذا وماذا لا يلزم
الذي يستخلصه المسيحيون الأرثوذكس محدودٌ لكنّه حقيقي. فإذا كانت الكتب المقدسة قد وصلتنا عبر قراءة جماعةٍ محسوسة وعبادتها وتمييزها على مدى قرونٍ عدّة، فتلك الجماعة ليست ملحقاً اختيارياً بالكتاب المقدس. فالتقليد نفسه الذي حمل الأسفار حمل أيضاً طريقةً في قراءتها: دستور الإيمان، والليتورجيا، وتفاسير الآباء.
والذي لا يلزم هو أنّ الكنيسة فوق الكتاب المقدس، أو أنّ لها أن تصحّحه، أو أنّ عندها رصيداً من المعلومات حُجب عن النصّ. والأرثوذكسية لا تدّعي شيئاً من هذا، والكتّاب الأرثوذكس الذين يمدّون أيديهم إلى دعوى أقوى يتجاوزون حدّهم. فالعلاقة أقرب إلى علاقة الشاهد منها إلى علاقة المؤلّف. وليس في سجلّ القرن الرابع ما يحتمل أكثر من ذلك.
ويجدر أن يُقال أيضاً إنّ الخلافات عند حافّة القانون لم تكن يوماً هي الحاملة للبناء. فكلّ جماعةٍ ذُكرت في هذه المقالة قرأت الأناجيل الأربعة نفسها وبولس نفسه. حتى لوثر، الذي وضع العبرانيين ويعقوب ويهوذا والرؤيا في آخر عهده الجديد وكتب عن رسالة يعقوب باستخفافٍ في مقدّمته سنة ١٥٢٢، طبع هذه الأسفار الأربعة كلّها. فالقانون أثبت متانةً تفوق متانة الخلافات حوله بكثير.
وإن جعلك هذا التاريخ تودّ أن تنظر كيف تقرأ الكنيسة الأرثوذكسية الكتاب الذي تسلّمته، بدل أن تنظر في ما تقوله عن نفسها، فتلك هي الخطوة التالية الصحيحة. وقد وضع الأب سيرافيم، وهو يخاطب جمهوراً أميركياً سنة ١٩٨٠ عن سبب صيرورة بروتستانت أرثوذكس، عبء الإثبات حيث ترى هذه الرعية أنّه ينتمي.
«إن كانت عندنا المسيحية الحقّة، فينبغي أن يكون في وسطنا شيءٌ يراه من يحبّ الحقّ بصدقٍ فيشتهيه.»
الأب سيرافيم روز، محاضرة ‹الأرثوذكسية في الولايات المتحدة›، The Orthodox Word العدد 94 (1980)، في الأب الراهب دمسكينوس، Father Seraphim Rose: His Life and Works [الأب سيرافيم روز: حياته وأعماله] (St. Herman Press, 2003)، الفصل 86