السؤال الذي يطرحه الزائر أولاً
يصل زائر إلى الكنيسة في كوفان مساء سبت، في منتصف السهرانة. والجوقة ترتّل شيئاً يتكرّر، والسطر المتكرّر مخاطَبٌ به امرأة. والناس يصطفّون لتقبيل أيقونتها. فإن كان ذلك الزائر قد نشأ في كنيسة إنجيلية، تكوّن عنده سؤال قبل انتهاء الخدمة، وهو سؤال غير تافه: أوُضع شيء إلى جانب المسيح؟
والسؤال يستحقّ جواباً لا تطميناً. فأكثر من يطرحونه يحرسون شيئاً هم محقّون في حراسته، وهو أن يسوع المسيح وحده يخلّص وأنه لا يجوز لمخلوق أن يقف حيث يقف هو. والمسيحيون الأرثوذكس يقولون الشيء نفسه، بهذه الألفاظ، كل أسبوع. فالجواب إذاً ليس أن الزائر أساء السمع، بل أن للألفاظ معنى بعينه، وأن الكنيسة اختارتها لسبب.
وسنغافورة تجعل السؤال عادياً لا أكاديمياً. فالعائلات هنا مختلطة غالباً: أمّ ميثودية، وعمّ كاثوليكيّ، وابنة بدأت تتردّد على رعيّة أرثوذكسية، وكلّهم على المائدة نفسها يوم الميلاد. وما يُقال عن أمّ المسيح في تلك الغرفة أهمّ ممّا يُقال في ندوة، وهو يستحقّ العناية نفسها.
حُدِّد اللقب حمايةً للمسيح
«ثيوتوكوس» لفظة يونانية تُترجَم عادةً «حاملة الإله» أو «التي ولدت الإله». وقد عُرضت على الكنيسة نزاعاً حياً في القرن الخامس. فنسطور، رئيس أساقفة القسطنطينية، فضّل «خريستوتوكوس»، أي والدة المسيح، لأنه ظنّ أن اللقب الأقدم يوحي بأن لاهوت الابن ابتدأ في أحشاء مريم. وكان يحاول أن يحرس شيئاً صحيحاً.
فأجاب كيرلّس الإسكندري بأن الأمّ لا تلد طبيعةً؛ بل تلد شخصاً. والشخص المولود في بيت لحم هو ابن الله الأزليّ، الذي كان في تلك اللحظة قد اتّخذ منها جسداً. فحجب اللقب يستلزم إذاً ابنين، أزليّاً ومولوداً، وهذا بالذات ما لم تستطع الكنيسة قبوله. وحسم مجمع أفسس سنة ٤٣١ الأمر لصالح كيرلّس.
فاللفظة إذاً قول في المسيح قبل أن تكون قولاً في مريم. إنها تقول إن الطفل في المذود هو الله. وقد أبقى كثير من الإصلاح على اللقب لهذا السبب؛ فـ«صيغة الوفاق» اللوثرية الصادرة سنة 1577 تعترف بها والدةً لله بهذا المعنى الخريستولوجي بعينه. وحين ترتّل جوقة أرثوذكسية «والدة الإله»، فموضوع الجملة هو ابنها.
ما الذي يطلبه لوقا ١:٤٨ من قرّائه
يضع الكتاب المقدس نبوءةً في فم مريم نفسها. ففي نشيد التعظيم تقول: «فهوذا منذ الآن جميع الأجيال تطوّبني» (لو ١:٤٨). وقبل ذلك بآيات قليلة تحيّيها أليصابات، وقد امتلأت من الروح القدس: «مباركة أنت في النساء» (لو ١:٤٢). فالتحيّة والنبوءة في الفصل نفسه، مقولتين قبل ولادة الطفل.
والترتيل الأرثوذكسي يقرأ تلك الآية توجيهاً لا طُرفة. فالأجيال كان لها أن تطوّبها، وكتب الكنيسة الطقسية هي، بين أمور أخرى، سجلّ أجيال تفعل ذلك. وهل هذه هي القراءة الصحيحة للسطر؟ سؤال وجيه. لكنه سؤال في كيفية طاعة آية، لا في وجود الآية.
وثمّة أيضاً مشهد الصليب، حيث يعطي المسيح أمّه للتلميذ والتلميذَ لأمّه (يو ١٩:٢٦-٢٧). وقد قرأ المسيحيون هذا طويلاً على أنه أكثر من ترتيب عائليّ يصنعه ابن يحتضر. فالمرأة المعطاة للتلميذ الحبيب معطاة، فيه، للكنيسة.
الإكرام والعبادة فعلان مختلفان
هذا التمييز ليس دفاعاً حديثاً اخترعته الضرورة؛ بل صيغ في مجمع. ففي مجمع نيقية المسكوني الثاني سنة ٧٨٧ حدّدت الكنيسة أن الصور المقدّسة يُقدَّم لها «ما يليق بها من تحيّة وإكرام توقيريّ، لا تلك العبادة الحقيقية التي بحسب الإيمان، فإنها لا تليق إلا بالطبيعة الإلهية». ولفظتان يونانيتان تحملان الثقل: «بروسكينيسِس»، أي الإكرام المقدَّم لشخص، و«لاتريّا»، أي العبادة، وهي لله ولا أحد سواه.
والمحكّ العمليّ أسهل في التحقّق من التعريف. ففي الكنيسة الأرثوذكسية لا تُقدَّم الإفخارستيا لقدّيس البتّة، وليس ثمّة قدّاس موجَّه إلى والدة الإله. فالقدّاس الإلهي يُقدَّم للآب بالابن في الروح القدس؛ وهي تُذكَر فيه بوصفها أول أعضاء الكنيسة وأفضلهم. ولا يُذبَح لها شيء البتّة.
وتقبيل الأيقونة من رتبة تقبيل صورة فوتوغرافية لأمّ راحلة، وما من أحد يخلط بين ذلك والعبادة. فالمسيحيون الأرثوذكس ينحنون أمام الأيقونات ويقبّلونها ويوقدون الشموع أمامها. والذي لا يفعلونه هو أن يقدّموا لها ما هو لله.
واللغة الإنكليزية تزيد الالتباس عمّا تزيده اليونانية. فحتى عهد قريب كانت اللفظة الإنكليزية الدالّة على العبادة تحمل معنى أوسع: ففي Book of Common Prayer («كتاب الصلاة العامة») الصادر سنة 1662 يقول العريس لعروسه ما ترجمته «بجسدي أوقّرك»، مستعملاً تلك اللفظة نفسها؛ ولا يزال القضاة في إنكلترا يُخاطَبون بلقب مشتقّ منها. أما اليونانية فتحتفظ بلفظتين منفصلتين لشيئين منفصلين، وقد استعملهما المجمعان بدقّة.
ما تؤمن به الكنيسة الأرثوذكسية في شأنها
تؤمن الأرثوذكسية، بعبارة صريحة، بأن مريم والدة الإله؛ وبأنها الدائمة البتولية، وهو لقب استُعمل لها في العصور المسيحية القديمة وتبنّاه المجمع المسكوني الخامس سنة ٥٥٣؛ وبأنها الكلّية القداسة، «باناغيا»، ولم ترتكب خطيئة شخصية؛ وبأنها في نهاية حياتها رقدت ونُقلت إلى ابنها، وهو ما تحفظه الكنيسة في 15 آب عيداً للرقاد؛ وبأنها تصلّي الآن لأجل الكنيسة على الأرض.
ويستحقّ أن يُقال بالقدر نفسه ما لا تتضمّنه هذه اللائحة. فهي مخلوقة. وقد خلّصها ابنها وقالت ذلك: «وتبتهج روحي بالله مخلّصي» (لو ١:٤٧). ولم تعلّم الأرثوذكسية قطّ أنها مصدر نعمة مستقلّ عن المسيح، ولا أنها إضافة إلى الثالوث، ولا أنها محكمة استئناف منافسة. فأهمّيّتها كلها في أنها من أعطت ذلك الجسد.
ودورها في إنجيل يوحنا يُظهر النمط الذي تؤمن الأرثوذكسية بأنها لا تزال تتبعه. ففي عرس قانا تلاحظ أن الخمر قد نفدت، وترفع الحاجة إلى ابنها، ثم تلتفت إلى الخدم بآخر كلماتها المسجّلة في الكتاب المقدس: «مهما قال لكم فافعلوه» (يو ٢:٥). إنها تشير بعيداً عن نفسها. وهذا ما يؤمن المسيحيون الأرثوذكس بأنها تفعله الآن.
ما لا تقبله الأرثوذكسية: الحبل بلا دنس
يفترض كثير من القرّاء البروتستانت أن التعليم الأرثوذكسي والتعليم الكاثوليكي الرومانيّ في مريم شيء واحد تحت عنوانين. وليسا كذلك، وهنا أوضح موضع يفترقان فيه. ففي 8 كانون الأول 1854، في المنشور Ineffabilis Deus، حدّد البابا بيوس التاسع أن مريم حُفظت من كل دنس الخطيئة الجدّية منذ اللحظة الأولى للحبل بها. والكنيسة الأرثوذكسية لا تقبل هذه العقيدة.
وأحد أسباب ذلك أن السؤال الذي تجيب عنه مصوغ في إطار طرح غربيّ للسقوط. فحيث صار التقليد اللاتيني يتكلّم عن ذنب موروث، تتكلّم الأرثوذكسية عن موت وفساد موروثين: طبيعة مجروحة لا تهمة في سجلّ. وإن كان المنحدر من آدم هو الموت لا الذنب، فإن الصعوبة التي بُني تحديد سنة ١٨٥٤ لإزالتها لا تنشأ بالصورة نفسها، ولا يلزم استثناء لتبقى طاهرة.
وقد طرح رئيس الأساقفة يوحنا مكسيموفيتش، وهو الرئيس الذي بارك تأسيس أخوية الأب سيرافيم روز، اعتراضاً ثانياً. فقد رأى أن هذه العقيدة تحطّ من قدر والدة الإله بدل أن ترفعه، لأنها تنزع عنها جهادها؛ فالقداسة التي ما كان يمكن أن تكون على غير ما كانت ليست نصراً مُحرَزاً. والتقليد الأرثوذكسي يؤمن بأنها قُدِّست وحُفظت من الخطيئة الشخصية، وبأن ذلك كان حياةً عيشت في الحرّية لا حالاً رُكِّبت سلفاً.
والسبب الثالث يتعلّق بالسلطان. فالأرثوذكسية تحسم العقيدة في مجمع، تقبله الكنيسة كلها على مرّ الزمن، والتحديد الصادر عن كرسيّ واحد سنة ١٨٥٤ ليس حسماً من هذا النوع. والتراتيل الأرثوذكسية تسمّيها فعلاً الفائقة الطهارة التي بلا عيب، والكنيسة تحفظ عيد الحبل بالقدّيسة حنّة في 9 كانون الأول؛ ولا يحمل أيٌّ من ذلك المعنى المحدَّد سنة ١٨٥٤. والفرق حقيقيّ ويجدر أن يُعرَف قبل أن يُجادَل فيه.
السطر الذي يقلق الزوّار أكثر من سواه
ثمّة لازمة تقلق الوافدين الجدد أكثر من أيّ شيء آخر، ومواجهتها خير من تمليسها. ففي القانون أثناء صلاة السَّحَر ترتّل الجوقة: «أيتها الفائقة القداسة والدة الإله خلّصينا». وهذا، إذا سُمع مجرّداً، يبدو الشيء عينه الذي يخشاه الاعتراض.
والذي تعنيه العبارة، والذي يقول الكتّاب الأرثوذكس على نحو ثابت إنها تعنيه، هو: بصلواتك، نالي لنا الخلاص من ابنك. والفعل يحمل هذا المدى في الكتاب المقدس. فبولس يكتب أنه صار كل شيء للكلّ «لأخلّص على كل حال قوماً» (١كو ٩:٢٢)، ويقول لتيموثاوس إنه بملازمته التعليم «تخلّص نفسك والذين يسمعونك» (١تي ٤:١٦). وما من أحد يقرأ هاتين الآيتين على أنهما منافستان للمسيح.
والأمانة تقتضي جملةً أخرى. فالاختصار الطقسيّ المكثّف شاقّ على الغريب، ولا يُلام الغريب على أن يسمعه خطأً في المرّة الأولى. والرعية التي ترتّل ذلك السطر مدينة لزوّارها بالشرح من غير أن تنتظر أن تُسأل مرّتين.
وقد أبدى الأب سيرافيم روز ملاحظةً قريبة من هذا في المجادلات عموماً، وأبداها على أهل صفّه هو لا على سواهم. فقد تكون الرعية متقنةً كل ترتيلة في كتبها إتقاناً حرفياً، وتخفق مع ذلك في حقّ الواقف في مؤخّرة الكنيسة، يتساءل: أآمنٌ أن أسأل سؤالاً؟
الصواب هو الجانب الخارجيّ من المسيحية. وهو مهمّ، لكنه ليس الأهمّ.
الأب سيرافيم روز، حديث في البساطة (1979)، في الأب الراهب دمسكينوس، Father Seraphim Rose: His Life and Works (الأب سيرافيم روز: حياته وأعماله)، الفصل 87 (أخوية القديس هرمان الألاسكي)
دعوة لا مجادلة
الأب سيرافيم روز، وهو الراهب الكاهن الأميركيّ الذي يقرأه كثير من السائلين في طريقهم نحو الأرثوذكسية، نشأ بروتستانتياً؛ فأمّه كانت بروتستانتية، وأبوه كاثوليكيّ رومانيّ سابق صار بروتستانتياً. وحين كان المهتدون يكتبون إليه مدجَّجين بحجج حادّة لإيمانهم الجديد، كان يوصيهم بأن يعيشوا بسلام مع أهلهم، ووضع شطراً من لوم سوء الفهم البروتستانتي حيث يكره الأرثوذكس أن يجدوه.
ورأى أيضاً أن الدقّة العقائدية، على حقيقة قيمتها، ليست أول ما يُقال في حياة مسيحية. فالرعية التي تستطيع الدفاع عن كل ترتيلة ولا تستطيع أن تحبّ زائراً قد أجابت عن السؤال الأصغر.
وليس في هذا كله طلب من أحد أن يوافق في ختام الصفحة. إنما فيه طلب واحد: أن تُسمَع الألفاظ كما تعنيها الكنيسة: لقبٌ يحرس التجسّد، وإكرامٌ تنبّأ به الكتاب المقدس نفسه، وعبادةٌ محفوظة لله وحده. والسهرانة مساء السبت، والأسئلة بعدها مرحَّب بها.
ربّما يكون الذنب ذنبنا نحن، إذ لم نعش الإيمان الأرثوذكسي ولم نعلّمه على نحو يستطيعون فهمه
الأب سيرافيم روز، رسالة بتاريخ 27 تشرين الثاني 1980، في الأب الراهب دمسكينوس، Father Seraphim Rose: His Life and Works، الفصل 84 (أخوية القديس هرمان الألاسكي)