سؤالٌ يستحقّ أن يُطرح على مهل
من نشأ في كنيسةٍ إنجيلية أو غير مذهبية ثم بدأ يحضر القداس الأرثوذكسي يصل عادةً إلى السؤال نفسه خلال شهرٍ أو شهرين. فالكتاب المقدس يُحمل في زياح، ويُبخَّر، ويُقبَّل، ويُقرأ بصوتٍ عالٍ في كلّ خدمة. ومع ذلك تقف إلى جانبه مجامعُ وقوانينُ وآباءٌ وعُرفٌ موروث كثير. فأين يستقرّ السلطان فعلاً؟ السؤال منصف ويستحقّ جواباً مستقيماً لا شعاراً.
وأمامنا جوابان. الأوّل مبدأ الإصلاح الذي يُسمّى عادةً «الكتاب وحده» (sola scriptura). والثاني العرض الأرثوذكسي للتقليد المقدس. وهما مختلفان اختلافاً حقيقياً، ولن تتظاهر هذه المقالة بغير ذلك. غير أنّ الأوّل يجب أن يُعرض كما يعرضه أفضل المدافعين عنه، لأنّ موقفاً يُسقَط في صورته الساخرة لم يُواجَه أصلاً.
ماذا يدّعي مبدأ «الكتاب وحده» فعلاً
يقول المبدأ إنّ الكتاب المقدس هو القاعدة النهائية الكافية للإيمان المسيحي وللحياة المسيحية: فكلّ ما يلزم للخلاص إمّا مذكورٌ في الكتاب بوضوح، وإمّا يمكن أن يُستخرج منه باستدلالٍ سليم لازم. وقد صاغ اعتراف وستمنستر سنة ١٦٤٦ ذلك بعباراتٍ قريبة من هذه في فصله الأوّل. فلا مجمع ولا أسقف ولا عُرف يُلزم الضمير كما يُلزمه الكتاب.
ولاحِظ ما يحرص هذا الادّعاء على قوله. إنّه يتعلّق بالكلمة الأخيرة لا بالكلمة الوحيدة. فالكتاب محكمة الاستئناف الأخيرة؛ وللمراجع الأخرى أن تعلّم وتنصح وتقنع، بل يُنتظر منها ذلك. أمّا الذي ليس لها فهو أن تنقض النصّ الذي هي جميعاً مسؤولة أمامه.
وأكثر النصوص استشهاداً هي ٢تي ٣:١٦–١٧، حيث يُدعى الكتاب موحىً به من الله ونافعاً ليكون إنسان الله كاملاً متأهّباً لكلّ عملٍ صالح؛ وأع ١٧:١١، حيث يفحص أهل بيرية الكتب كلّ يوم ليمتحنوا ما قاله لهم الرسول؛ وتوبيخ الربّ في مرقس ٧ للذين ينقضون وصية الله ليحفظوا عادةً من عندهم. وهذه نصوصٌ جدّية لا ينبغي لقارئٍ أرثوذكسي أن يلوّح بيده صارفاً إيّاها.
لماذا صيغ المبدأ في ذلك الوقت
لم يأتِ المبدأ من فراغ. فقد صيغ في كنيسةٍ غربية عاشت الانشقاق البابوي الذي بدأ سنة ١٣٧٨، حين حرم المتنازعون بعضهم بعضاً وصار ثلاثة رجالٍ في فترةٍ ما يسمّي كلٌّ منهم نفسه بابا؛ وعاشت جدالاً طويلاً هل المجمع فوق البابا؛ وعاشت تجارةً في صكوك الغفران بدت لكثيرين من المخلصين بيعاً لما لا يُباع.
وفي هذا السياق لا يكون السؤال عن موضع محكمة الاستئناف تمريناً أكاديمياً. فإذا تناقضت السلطات المنظورة، وكان بعضها معروضاً للبيع بوضوح، احتاج المسيحي إلى أرضٍ يقف عليها ليست مجرّد تأكيد من يتولّى المنصب هذه السنة. وقد وجد المصلحون تلك الأرض في نصّ الكتاب المقدس. ومهما يكن ما ننتهي إليه في شأن جوابهم، فالضغط الذي أنتجه كان حقيقياً، والرجال الذين أحسّوه لم يكونوا عابثين.
ما لا يقصده أفضل المدافعين عنه
كثيراً ما يُفترض أنّ «الكتاب وحده» يعني الكتاب ولا شيء غيره، وأنا أفسّره. وقد أنكر شُرّاحه المدقّقون ذلك على الدوام. فقد ميّز المؤرّخ هايكو أوبرمان بين موقفين من التقليد في أواخر القرون الوسطى، أحدهما يعدّ الكتاب والتقليد مجرىً واحداً والآخر يعدّهما مصدرين مستقلّين، واحتجّ بأنّ المصلحين قصدوا استعادة الأوّل لا إلغاء التقليد من أصله.
وقد بنى كيث ماثيسون على هذا التمييز في دراسته The Shape of Sola Scriptura [شكل مبدأ الكتاب وحده] الصادرة سنة ٢٠٠١، واحتجّ مطوّلاً بأنّ النزعة الكتابية الفردية، حيث يكون كلّ مؤمنٍ محكمته الأخيرة، طفرةٌ لاحقة لا موقف الإصلاح. فكالفن يقتبس أغسطينوس في كلّ صفحةٍ تقريباً من أسس الدين المسيحي. والاعترافات اللوثرية تحتكم إلى الآباء. والكنائس الإصلاحية والأنغليكانية تعترف بدستور الإيمان النيقاوي. وأكثر القرّاء البروتستانت لهذه الصفحة تسلّموا تعليمهم عن الثالوث من مجمعٍ في القرن الرابع، وسيقولون ذلك إن سُئلوا.
فالخلاف إذاً أضيق وأحدّ ممّا يبدو أوّل الأمر. ليس تقليداً في مواجهة لا تقليد، بل خلافٌ في ما هو التقليد، وفي ما إذا كان تسليم الكنيسة للإيمان جزءاً من طريقة الله في إعطاء هذا الإيمان، أم مجرّد سجلٍّ لعطيةٍ اكتملت في مكانٍ آخر.
ماذا يعني المسيحيون الأرثوذكس بالتقليد
التقليد في الاستعمال الأرثوذكسي ليس رفّاً من الآراء القديمة. فالكلمة تنقل اليونانية بارادوسيس، أي التسليم. والمسلَّم هو حياة الكنيسة كلّها بما أنّ الروح القدس يحيا فيها: الكتب المقدسة، ودستور الإيمان، والمجامع، والليتورجيا، والصلوات، والأيقونات، والأصوام، وسِيَر القديسين، والطريقة التي تُفهم بها هذه جميعاً معاً.
والقديس بولس يستعمل الكلمة بلا حرج. «فاثبتوا إذاً أيّها الإخوة وتمسّكوا بالتقاليد التي تعلّمتموها، سواءٌ بالكلام أم برسالتنا» (٢تس ٢:١٥). فالتعليم الشفهي والتعليم المكتوب في جملةٍ واحدة، تحت فعلٍ واحد، من غير أيّ إيماءٍ إلى أنّ الثاني حلّ محلّ الأوّل. ولم تجد الكنيسة الأرثوذكسية قطّ سبباً للفصل بينهما.
وفي سبعينات القرن الرابع صاغ القديس باسيليوس الكبير النقطة نفسها بقائمة أمثلة. ففي كتابه في الروح القدس يسأل: من علّمنا بالكتابة أن نرشم أنفسنا بالصليب، وأن نتّجه شرقاً في الصلاة، وأن نبارك ماء المعمودية وزيت الميرون، وأن نعمّد بثلاث غطسات؟ وجوابه أنّ هذه تصلنا من تعليم الرسل غير المكتوب، وأنّ طرح كلّ ما لا سند مكتوباً له يضرّ الإنجيل في صميمه.
الكتاب قلبٌ مكتوب لا منافس
وليس في شيءٍ من هذا حطٌّ من الكتاب المقدس. ففي العرض الأرثوذكسي ليس الكتاب سلطةً بين سلطاتٍ تتزاحم على الموقع؛ إنّه القلب المكتوب للكلّ. فلا شيء آخر في التقليد يجوز أن يناقضه، وكلّ شيءٍ آخر قائمٌ ليحمله ويحرسه ويفتحه. والإنجيل يستقرّ على المذبح. ويُحمل في زياح، ويُبخَّر، ويُقبَّل. وما من قانونٍ ولا عُرفٍ يُعامَل هكذا.
والشطر الآخر من الصورة هو ١تي ٣:١٥، حيث يقول الرسول لتلميذه تيموثاوس كيف يسلك «في بيت الله، الذي هو كنيسة الله الحيّ، عمود الحقّ وقاعدته». والصورة معمارية. فالكنيسة هي التي ترفع الحقّ حيث يُرى. وبهذه القراءة لا يكون الكتاب والكنيسة متنافسين بل عطيةً واحدة في وجهين: كتابٌ خرج من جماعةٍ تعبد ولا يزال يُقرأ داخلها.
ولهذا لم تطوّر الأرثوذكسية قطّ شيئاً يشبه منصباً يصدر عقائد جديدة. فالتقليد كما يفهمه المسيحيون الأرثوذكس لا سلطان له على الإضافة؛ وكلّ دعواه أنّه حفظ. فحين دافع المجمع المسكوني السابع عن الأيقونات سنة ٧٨٧، لم تكن الحجّة أنّ بصيرةً جديدة وصلت، بل أنّ الممارسة قديمةٌ قِدَم الإيمان وأنّها لازمةٌ عن التجسّد.
القلق الأمين: هل يصير التقليد رخصة؟
هذا هو الاعتراض، وهو اعتراضٌ جيّد. فإذا جاز للكنيسة أن تحتكم إلى تعليمٍ رسولي غير مكتوب، فما الذي يمنع إدخال أيّ شيءٍ كان تحت هذا العنوان بعد ألف سنة وإعلانه قديماً؟ وقد اعتقد المصلحون أنّهم رأوا هذا يحدث بالضبط، وبنوا مبدأهم لمنع تكراره. ومن يثير هذا ليس متعنّتاً. إنّه دقيق، ومن الأفضل أن يكون الجواب الأرثوذكسي جواباً حقيقياً.
فالتقليد في العرض الأرثوذكسي ليس آليةً للإضافة بل محكّاً للتمييز، وهو محكٌّ صارم. وقد أعطى القديس فنسنتيوس اللّيريني، وهو يكتب في بلاد الغال سنة ٤٣٤، القاعدة التي لا تزال تُقتبس: تمسّك بالإيمان «الذي أُومن به في كلّ مكانٍ وفي كلّ حينٍ ومن الجميع»، وفسّرها بالشمول والقِدَم والإجماع. فتعليمٌ لا يستطيع أن يُظهر الثلاثة جميعاً لم يُظهر أنّه تقليد، مهما يكن عمره ومن يكونوا أنصاره.
والأرثوذكسية تميّز أيضاً تمييزاً حادّاً بين التقليد المقدس والعُرف المحلّي، وكان الآباء أشدّ صراحةً في نقد العُرف الرديء من كثيرين ممّن يعجبون بهم اليوم. فثمّة عبارةٌ تُنسب إلى القديس كبريانوس القرطاجي تقول إنّ العُرف بلا حقٍّ ليس إلّا ضلالاً شاخ. والعادات تأتي وتذهب: فرعيةٌ يونانية ورعيةٌ روسية في المدينة نفسها تختلفان في عشرات الأمور المنظورة من غير أن يظنّ أحدهما أنّ الإيمان على المحكّ.
وقد حذّر الأب سيرافيم روز، وهو مهتدٍ أميركي نشأ في عائلةٍ بروتستانتية، من الخطر نفسه من الداخل. ففي تقديمه لسيرة القديس بَيسيوس فيليتشكوفسكي وصف مسيحيين يتبعون عُرفاً لم يفحصوه ويستوعبون كلّ ما وصلهم من غير أن يسألوا يوماً من أين جاء.
وقد عدّ ذلك خطراً جسيماً لا صغيراً، وكان علاجه العودة إلى المصادر، إلى الكتاب المقدس والآباء، لا الاحتكام إلى ما يصادف أنّ الناس يفعلونه. وهذا الحدس ليس بعيداً عن الحدس الذي تحرّك به المصلحون. وإنّما يختلف العرضان في المكان الذي يتوقّع كلٌّ منهما أن يجد فيه المصادر سليمة.
«أتباع العُرف غير المستنير أبرياء في أنفسهم؛ فهم لا يفعلون سوى قبول ما ‹سُلِّم› إليهم.»
الأب سيرافيم روز، مقدّمة Blessed Paisius Velichkovsky: The Man Behind the Philokalia [الطوباوي بَيسيوس فيليتشكوفسكي: الرجل وراء الفيلوكاليا] (St. Herman of Alaska Brotherhood, 1994 [1976])
أين يفترق العرضان فعلاً
يفترقان في سؤالٍ واحد: هل الكنيسة التي تسلّمت الكتب المقدسة وتعرّفت إليها يمكن أن يُوثَق بها حافظةً لها ومفسّرةً؟ يجيب «الكتاب وحده» أنّه لا يمكن الوثوق بها وثوقاً نهائياً، لأنّها أخطأت وقد تخطئ ثانية، وأنّ النصّ يجب لذلك أن يقف فوقها. وتجيب الأرثوذكسية أنّ المسيح وعد بأنّ الروح يرشدها إلى جميع الحقّ، وأنّ الوعد لم يُعلَّق قطّ على حسن سلوك المسؤولين فيها في قرنٍ بعينه.
ولكلّ جوابٍ كلفته، والطرفان يعرفان ذلك. فالموقف الأرثوذكسي يطلب ثقةً كبيرة بجماعةٍ منظورة مملوءة بالخطأة في كلّ مستوى، وقد أعطى المسيحيون الأرثوذكس العالم أسباباً وافرة لطرح أسئلةٍ صعبة في هذا. والموقف الآخر عليه أن يفسّر كيف يصل قرّاءٌ مخلصون لنصٍّ واحدٍ كافٍ إلى استنتاجاتٍ متعارضة في المعمودية وعشاء الربّ وترتيب الكنيسة. وقد صارع بروتستانت مفكّرون هذه الصعوبة بأمانةٍ أربعة قرون. وليست أيٌّ من المشكلتين نقطةً في مناظرة؛ كلتاهما ثقلٌ حقيقي.
وإذا قيل الفرق صراحةً كفّ عن أن يكون مخيفاً. فالأرثوذكسية لا ترى الكتاب غير كافٍ، والبروتستانتية لا ترى التاريخ بلا قيمة. والافتراق في مكانة الكنيسة نفسها، وكلّ شيءٍ آخر يتبع ذلك.
بابٌ يُترك مفتوحاً
ليس شيءٌ ممّا كُتب هنا قصداً لإقفال حوار. فقد تمسّك الأب سيرافيم بالقناعة الأرثوذكسية التقليدية بأنّ الكنيسة واحدة وأنّ أسرارها تُعطى فيها؛ قال ذلك صراحةً وسيكون تليينه غير أمين. ورفض أيضاً، بحزمٍ وتكرار، أن يحكم في موقف أيّ إنسانٍ بعينه خارج الكنيسة الأرثوذكسية أمام الله، ورأى أنّ الذنب حين لا يرى الآخرون الأرثوذكسية يقع بعضه أقرب إلى البيت.
وفي رسالةٍ في تشرين الثاني ١٩٨٠ إلى سائلةٍ سألته هل تستطيع أن تظلّ تسمّي أهلها البروتستانت والكاثوليك مسيحيين، نقل إليها صيغةً نسبها إلى الأب ديمتري دودكو: أن ننظر إلى غير الأرثوذكس كأناسٍ لم تُكشف لهم الأرثوذكسية بعد، كأناسٍ هم أرثوذكس بالقوّة. وهذه هي الجملة التي تفضّل هذه الرعية أن تختم بها بدل أيّ حجّة.
وإن قرأت إلى هنا وخالفت، فأنت مرحّبٌ بك في قداس الأحد في كوفان على كلّ حال، ومرحّبٌ بك أن تحمل خلافك معك. فالإنجيل يُقرأ بصوتٍ عالٍ في وسط الكنيسة، في وجه الناس، قبل أن يُقال عنه شيء. ويمكنك أن ترى ما يصنعه الأرثوذكس فعلاً بكتابهم وتحكم من هناك.
«لعلّ الذنب ذنبنا نحن، إذ لا نحيا الإيمان الأرثوذكسي ولا نعلّمه على نحوٍ يستطيعون أن يفهموه»
الأب سيرافيم روز، رسالة 27 تشرين الثاني 1980، في الأب الراهب دمسكينوس، Father Seraphim Rose: His Life and Works [الأب سيرافيم روز: حياته وأعماله] (St. Herman Press, 2003)، الفصل 84